” أحمد خيرى يكتب: حوار مع”غزالة


بعيدًا عن أضواء المدينة وعن زحام الشوارع وعن الجو الخانق بحرارته وإعلامه وسياسته وأحزابه وجماعاته واعتصاماته وأمنه المنفلت ومياهه المقطوعة وطرقه ومستشفياته المستهدفة؛ قررت الذهاب بعيدًا والعودة وقت الأذان، قابلتها، عيون عسلية ورقبة انسيابية يناديك رقتها ونعومتها وجمالها، تبارك الله أحسن الخالقين، اقتربت منها، ظهرت رشاقتها وثقتها فى نفسها، لم تهرب منى، ولكنها أحست بالأمان، قرأت أفكارى وهمومى، قررت أن أجرى معها حوارًا لعلى أستفيد من حيوان…

– مساء الخير يا غزالة، كيف الحال عندكم؟

– حالنا بخير، ولكن حالكم لا يخفى علينا، وأصبحنا نفكر فيكم يا بنى آدم ونتعجب ونتندر فى سهراتنا بكم.

– لماذا هذه البداية يا غزالة؟ كنا نظنكِ نشيطة ونصفك بالنشاط والجد، وها أنتِ تذهبين للتسوق بعد منتصف اليوم…

– لا يا سيدى، نحن نؤمن بمقولة وتجربة الصباح الباكر للعمل والجد والإنتاج، وبعد تناول الغداء نذهب للتسوق والبطون مملوءة حتى لا نشترى ما لا يلزمنا، وحتى نشترى القليل الضرورى فقط، نصيحة أخذناها ونطبقها، ولسنا مثلكم، تذهب نساؤكم للتسوق صباحًا والبطون خاوية، وتدفعها رغبة الجوع لشراء أطنان من الخضر واللوازم، وبعد يومين تفسد وتلقيها فى الزبالة، أنتم مبذرون ومسرفون فى كل شىء.

– أراكِ وحدكِ وليس معك صديقة أو جارة أو ابنة، أليس خطرًا عليك أن تذهبى للسوق وحدك؟

– الخطر عندكم أنتم، وفقدان الأمان ليس عندنا، فهذه حياتنا وتعودناها وخلقنا بها، ولكن الخطر عندكم أنتم يا سيدى، المفروض أن تعيشوا أنتم فى أمان وأمن دائمين، وهذا ما ينقصكم اليوم، تفعلونه بأنفسكم ولأنفسكم، فالطرق تصنعونها وتقطعونها بأنفسكم، ووسائل النقل تشترونها وتدمرونها بأنفسكم، المستشفيات تبنونها وتتهجمون وتعتدون عليها بأنفسكم، مصالحكم ومصانعكم وأماكن عملكم ومصادر رزقكم ومعيشتكم تقدمونها وتحرقونها وتدمرونها بالتظاهر والاعتصام والتجمهر والتعطيل بأنفسكم.

“ورغبة منى فى تسخين الحوار واستفزازها، ومحاولة لإحراجها” قلت:

– تقولين إننا مبذرون ومسرفون، أراك تحملين زجاجة عطر، منذ متى تتعطر الحيوانات؟

“ردت بحياء جمٍّ زادها جمالاً وزادنى خجلاً من نفسى”:

– سيدى أنا زوجة أخصص كل يوم ساعة للحديث مع زوجى فى شئون حياتنا وأولادنا وواقعنا ومستقبلنا، والعطر يريح ويعطى مذاقًا وإحساسًا وتوازنًا فى كل ما نقرره، نحن مختلفون عنكم يا سيدى، نحن نستخدم العطر فى أهم الأوقات لدينا، وأنتم لا تستخدمونه فى أهم الأوقات لديكم، أمنيتى أن تكون رسالتى وصلت.

“قلت فى نفسى: وصلت وأحسست بجردل ماء بارد انصب فوق أمِّ رأسى”

– ما أخبار أسد الغابة يا غزالة معكم، فهو عدوكم الأول كما نعرف؟

– نعرف، ولكننا اخترناه علينا ملكًا وحكمًا وارتضيناه، ونعرف من قبل من هو الأسد، ونعرفه جيدًا، ولكن بعدما اخترناه وارتضيناه لا يحق لى أن أعمل على تشويه صورته أمامك، ولا أن أرفضه بأى شكل كتعطيل إنتاج أو حرق الغابة أو قطع الطرق أو ترويع أهل الغابة أو تجريح شخصه أو إحراجه بأى شكل، لأن هذا يصب فى فى تأخر وتدمير معيشتى، وأنا أحب غابتى ووطنى، ولكن عندكم الأمر مختلف يا سيدى، اخترتم وانتخبتم ثم شوهتم وعطلتم وروعتم وأحرجتم وجرحتم، لأنكم تعتقدون فى الشخصنة ولا تحبون بلدكم، فالفارق بيننا كبير يا سيدى، فأنا أعمل وأتحمل لصالح غابتى ووطنى، وأنت تعمل لصالح شخص أنت تحبه أو تكرهه.

– وهل تحبون وتكرهون مثلنا يا غزالة؟

اسمع يا ابن آدم، الحب عندكم محصور فى كلمات وفى حجرة النوم فقط، الحب عندنا فى الحديث مع زوجى، فى إعداد الطعام معًا، فى العمل معًا، فى الخروج معًا، فى التشاور والتفاهم، فى التفكير وإبداء النصيحة للأهل والجيران والأصدقاء، للارتقاء والحفاظ على المجتمع والغابة، وعندكم يا سيدى تخرج الزوجة للعمل أو السوق وتعود لقضاء اليوم فى المطبخ، ثم أمام المسلسل، ثم يغلبها النوم لتكرر ذلك فى اليوم التالى، والزوج فى العمل والجريدة والكنبة والماتش، ويكرر ذلك فى اليوم التالى.

– سمعت أن الغابة انتفضت كلها وتجمعت ونسيت الذئاب طباعها ووقفت بجوار البط والأرانب، والغزلان بجوار النمور، والثعابين بجوار الفئران والضفادع، كان يومًا مشهودًا، متظاهرين وصامدين ضد أحد بنى آدم جاء لصيد الثعالب للحصول على الفراء، ما صحة هذا؟

– نعم يا سيدى، حدث هذا، وسيحدث دومًا رغم اختلاف الآراء، وتباعد أفكارنا ومعتقداتنا واختلاف شكلنا وألواننا، ولكننا نعيش فى غابة واحدة وتحت جنس واحد يسمى الحيوانات، أما أنتم يا بنى آدم ويا بشر تفرقون وتميزون بين مسلم فلسطينى وثانٍ سورى وثالث أمريكى ورابع فى بورما وآخر فى الصين، انظر ما يحدث فى سوريا وما يحدث فى بورما لإخوتكم، هل رأيت مظاهرة تندد أو رئيسًا يشجب؟ هل رأيت دولاً خليجية منعت أو تكلمت واتخذت إجراءً حازمًا لمصلحة المسلمين المضطهدين؟ هل تكلمت جامعتكم العربية؟ هل تكلمت منظمة العالم الإسلامى واتخذت إجراء؟ حتى المتشددون من طالبان لم يذهبوا ويتعاملوا بطريقتهم مع المعتدى، هل جمعيات حقوق الإنسان وحماية الأقليات فعلت أى شىء يذكر؟ أنتم تتكلمون كثيرًا، ونحن نفعل، هذا هو الفارق بيننا وبينكم.

“شعرت بأنى لا أستطيع الرد، فنظرت إلى ساعتى وإلى السماء، فالوقت قد حان، ودقائق وأعود فيها قبل أذان المغرب لأتناول الطعام وأقرأ الجريدة وأجلس على الكنبة وأشاهد المسلسل وأنام لأكرر ذلك فى اليوم التالى، وشكرًا للغزالة”.
http://misrdigital.blogspirit.com/archive/2012/07/31/morsi-thanks-shimon-perez.html

Share
Clip to Evernote
This entry was posted in Egyptian and Middle-east Arts, كتابات ليبرالية واخبار, مزز عريا وبالملابس. Bookmark the permalink.